عبد الرحمن السهيلي
80
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
ويشهد لمعنى الصوان هنا قول النابغة الذبياني : برى وقع الصّوّان حدّ نسورها وعين الفعل في صوان ولامه واو ، وأدخل صاحب العين في باب الصاد والواو والياء هذا اللفظ ، فقال : صوي يصوي : إذا يبس ، ونخلة صاويةً ، ولو كان مما لامه ياء ، لقيل : في صوان صيان ، كما قيل : طيان وريان ، ولكن لما انقلبت الواو ياء من أجل الكسرة توهم الحرف من ذوات الياء . وقول عبد الله : هل أنت إلاّ نطفةٌ في شنّة النطفة : القليل في الماء ، والشنة : السقاء البالي ، فيوشك أن تهراق النطفة ، وينخرق السقاء ، ضرب ذلك مثلاً لنفسه في جسده . عقر جعفر فرسه ومقتله : وأما عقر جعفر فرسه ، ولم يعب ذلك عليه أحد ، فدل على جواز ذلك إذا خيف أن يأخذها العدو ، فيقاتل عليها المسلمين ، فلم يدخل هذا في باب النهي عن تعذيب البهائم ، وقتلها عبثاً غير أن أبا داود خرج هذا الحديث ، فقال : حدثنا النفيلي قال : حدثنا محمد بن مسلمة عن محمد بن إسحاق عن ابن عباد يعني : يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير ، قال : حدثني أبي الذي أرضعني ، وهو أحد بني مرة بن عوف ، وكان في تلك الغزاة غزاة مؤتة ، قال : والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ، ثم قاتل القوم حتى قتل . قال أبو داود : وليس هذا الحديث بالقوي ، وقد جاء فيه نهي كثير عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم في جعفر : فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة بطير بهما حيث شاء . وروى عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم عليه وقال : دخلت الجنة البارحة ، فرأيت جعفراً يطير مع الملائكة ، وجناحاه مضرجان بالدم . وعن سعيد بن المسيب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل لي جعفر وزيد وعبد الله بن رواحة في خيمة من در على أسرة ، فرأيت زيداً وعبد الله وفي أعناقهما صدود ، ورأيت جعفراً مستقيماً . فقيل لي : إنهما حين غشيهما الموت أعرضا بوجوههما ، ومضى جعفر ، فلم يعرض ، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة حين جاء نعي جعفر تقول : وا عماه ، فقال : على مثل جعفر ، فلتبك البواكي . وكان أبو هريرة يقول : ما احتذى النعال ، ولا ركب المطايا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر . وقال عبد الله بن جعفر : كنت إذا سألت علياً حاجةً ، فمنعني أقسم عليه بحق جعفر فيعطيني . معنى الجناحين ومما ينبغي الوقوف عليه في معنى الجناحين أنهما ليسا كما يسبق إلى الوهم على مثل جناحي الطائر وريشه ، لأن الصورة الآدمية أشرف الصور ، وأكملها ، وفي قوله عليه السلام : إن الله خلق آدم على صورته تشريف له عظيم ، وحاشا لله من التشبيه والتمثيل ، ولكنها عبارة عن صفة ملكية وقوة روحانية ، أعطيها جعفر كما أعطيتها الملائكة ، وقد قال الله تعالى لموسى : « اضْمُمْ يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ » طه فعبر عن العضد بالجناح توسعاً ، وليس ثم طيران ، فكيف بمن أعطي القوة على الطيران مع الملائكة أخلق به إذاً : أن يوصف بالجناح مع كمال الصورة الآدمية وتمام الجوارح البشرية ، وقد قال أهل العلم في أجنحة الملائكة ليست كما يتوهم من أجنحة الطير ، ولكنها صافت ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة ، واحتجوا بقوله تعالى : « أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وثُلاَثَ ورُبَاعَ » فاطر فكيف تكون كأجنحة الطير على هذا ، ولم ير طائر له ثلاثة أجنحة ، ولا أربعة ، فيكف بستمائة جناح ، كما جاء في صفة جبريل عليه السلام ، فدل على أنها صفات لا تنضبط كيفيتها للفكر ، ولا ورد أيضاً في بيانها ، خبر ، فيجب علينا الإيمان بها ، ولا يفيدنا علماً إعمال الفكر في كيفيتها ، وكل امرئ قريب من معاينة ذلك .